الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

251

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجوز أن يكون أَلَّا كلمة واحدة بمعنى ( هلّا ) فإن هاءها تبدل همزة . وجعل يَسْجُدُوا مركبا من ياء النداء المستعملة تأكيدا للتنبيه وفعل أمر من السجود كقول ذي الرمة : ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى وهو لا يلائم رسم المصحف إلا أن يقال : إنه رسم كذلك على خلاف القياس . وقرأ الكسائي بتخفيف اللام على أنها ( ألا ) حرف الاستفتاح ويتعين أن يكون يَسْجُدُوا مركبا من ياء النداء وفعل الأمر ، كما تقدم وفيه ما تقدم . والوقف في هذه على ( ألا ) . وتزيين الأعمال تقدم في أول السورة عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [ النمل : 4 ] . وإسناده هنا للشيطان حقيقي و السَّبِيلِ مستعار للدين الذي باتباعه تكون النجاة من العذاب وبلوغ دار الثواب . و الْخَبْءَ : مصدر خبأ الشيء إذا أخفاه . أطلق هنا على اسم المفعول ، أي المخبوء على طريقة المبالغة في الخفاء كما هو شأن الوصف بالمصدر . ومناسبة وقوع الصفة بالموصول في قوله : الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ لحالة خبر الهدهد ظاهرة لأن فيها اطلاعا على أمر خفي . وإخراج الخبء : إبرازه للناس ، أي إعطاؤه ، أي إعطاء ما هو غير معلوم لهم من المطر وإخراج النبات وإعطاء الأرزاق ، وهذا مؤذن بصفة القدرة . وقوله : ويعلم ما يخافون وما يعلنون مؤذن بعموم صفة العلم . وقرأ الجمهور : يخفون . . . ويعلنون بياء الغيبة . وقرأه الكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب فهو التفات . ومجيء جملة : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عقب ذلك استئناف هو بمنزلة النتيجة للصفات التي أجريت على اسم الجلالة وهو المقصود من هذا التذييل ، أي ليس لغير اللّه شبهة إلهية . وقوله : رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أي مالك الفلك الأعظم المحيط بالعوالم العليا وقد تقدم . وفي هذا تعريض بأن عظمة ملك بلقيس وعظم عرشها ما كان حقيقا بأن يغرها بالإعراض عن عبادة اللّه تعالى لأن اللّه هو رب الملك الأعظم ، فتعريف الْعَرْشِ للدلالة على معنى الكمال . ووصفه ب الْعَظِيمِ للدلالة على كمال العظم في تجسم النفاسة . وفي منتهى هذه الآية موضع سجود تلاوة تحقيقا للعمل بمقتضى قوله : أَلَّا يَسْجُدُوا